الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

151

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

فحكى الإمام فخر الدين الرازي عن بعض المحققين أنه قال : إذا اشتغل الإنسان بمثل هذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية ، ومتى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة ، وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها ، فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها ، وعند ذلك يزول الحزن والغم . وقال أهل السنة : إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات ، كأنه يقول : تجب على عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتنى في المكروهات . وقال تعالى : فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ « 1 » . فأمره تعالى - صلى اللّه عليه وسلم - بالعبادة والمصابرة على مشاق التكاليف في الإنذار والإبلاغ . فإن قلت : لم لم يقل : واصبر على عبادته ، بل قال : وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ « 2 » . فالجواب : لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب : اصطبر لقرنك أي : أثبت له فيما يورده عليك من مشاقه . والمعنى : أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق فاثبت لها قاله الفخر الرازي وكذا البيضاوي . وقال تعالى : وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ « 3 » . فأول درجات السير إلى اللّه عبودية اللّه تعالى ، وآخرها التوكل عليه ، وإذا كان العبد لا يزال مسافرا إلى ربه لا ينقطع سيره إليه ما دام في قيد الحياة ، فهو محتاج إلى زاد العبادة لا يستغنى عنه البتة ، ولو أتى بأعمال الثقلين جميعا ، وكلما كان العبد إلى ربه أقرب كان جهاده إلى اللّه أعظم ، قال تعالى : وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ « 4 » ولهذا كان النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أعظم الخلق اجتهادا « 5 » وقياما بوظائف العبادة ، ومحافظته عليها إلى أن توفاه اللّه تعالى . وتأمل أصحابه - رضى اللّه عنهم - فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب مقاما عظم جهادهم واجتهادهم .

--> ( 1 ) سورة مريم : 65 . ( 2 ) سورة مريم : 65 . ( 3 ) سورة هود : 123 . ( 4 ) سورة الحج : 78 . ( 5 ) لعل الصواب : جهادا .